حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
576
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
وعقر المواشي . وأصل السعي المشي بسرعة ، وقد يستعار لإيقاع الفتنة والتخريب بين الناس . وقيل : لما انصرف من بدر مر ببني زهرة وكان بينه وبين ثقيف خصومة ، فبيتهم ليلا وأهلك مواشيهم وأحرق زروعهم ، وعلى هذا فيقع قوله وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ تفصيلا لما أجمله قوله لِيُفْسِدَ وقيل : إفساده هو إلقاء الشبه في عقائد المسلمين ، وعلى هذا فيكون إهلاك الحرث والنسل بمعنى آخر . وهذا تفسير مناسب لأن كمال الإنسان بالعلم والعمل ونقصه بضدهما ، فيكون الإفساد إشارة إلى نقص قوّته النظرية والإهلاك عبارة عن فعل المنكرات وفيه نقصان قوّته العملية . وقيل : وَإِذا تَوَلَّى أي إذا كان واليا فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل . وقيل : يظهر الظلم حتى يمنع اللّه بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل . فالحرث الزرع ، والنسل الولد . ونسلت الناقة بولد كثير ، والتركيب يدل على الخروج . وقيل : إهلاك الحرث قتل النسوان نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [ البقرة : 223 ] وإهلاك النسل إفناء الصبيان وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ قالت المعتزلة : معناه لا يريد الفساد . وفيه دليل على أنه يريد القبائح وإذا لم يردها لم يخلقها لأن الخلق لا يمكن إلا بالإرادة . ومنع من أن المحبة نفس الإرادة ، بل المحبة عبارة عن مدح الشيء وذكره بالتعظيم . ثم الدليل الدال على أن لا مرجح لأحد جانبي كل ممكن على الآخر إلا اللّه وإلا انسد باب إثبات الصانع يدل على أن الكل بإرادته ومشيئته ، وقد مر تحقيق ذلك فيما سلف . واعلم أنه سبحانه حكى عن المنافق جملة من الأفعال الذميمة . أولها حسن كلامه في طلب الدنيا ، وثانيها استشهاده باللّه كذبا وبهتانا ، وثالثها لحاجة في إبطال الحق وإثبات الباطل ، ورابعها سعيه في الأرض للإفساد ، وخامسها سعيه في إهلاك الحرث والنسل . فوقع قوله وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ جملة معترضة . ثم ذكر خصلة سادسة أشنع من الكل دالة على جهله المركب وخروجه عن أن يرجى منه خير وذلك مثله وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ في ارتكاب شيء من هذه المنهيات . والقائل إما الرسول صلى اللّه عليه وسلم قولا خاصا أو عاما لجميع المكلفين فيدخل المنافق فيه ، وإما كل واعظ وناصح أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ من قولهم « أخذت فلانا بأن يفعل كذا » أي ألزمته ذلك وحملته عليه أي أخذته الغلبة والاستيلاء والأنفة وحمية الجاهلية أن يعمل الإثم ، وذلك الإثم هو ترك الالتفات إلى هذا الوعظ وعدم الإصغاء إليه ، أو من قوله « أخذته الحمى » أي لزمته ، و « أخذه الكبر » أي اعتراه ذلك والمعنى لزمته العزة الحاصلة بسبب الإثم الذي في قلبه ، وذلك الإثم هو الكفر والجهل وعدم النظر في الدلائل فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ كافية هي جزاء له يستوي فيه الواحد والجمع والتثنية والمذكر والمؤنث لأنه مصدر . ورفعه على الخبرية أو على الابتداء إذا كان ما بعده